زيارة الرئيس الإيراني إلى سلطنة عُمان: الدلالات والتداعيات

المقال منشور في مركز الجزيرة للدراسات بتاريخ 7 إبريل 2014

ملخص
بالنظر إلى طبيعة العلاقات العُمانية-الإيرانية وتميزها، لم تكن الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني حسن روحاني مفاجئة أو مستغربة؛ فالبلدان يتمتعان بعلاقات وطيدة تمتد إلى حقبة الشاه، واستمرت حتى بعد الثورة الإيرانية، حين تأزمت علاقات إيران بمكونات المجتمع الدولي بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والدول العربية؛ حيث أبقت مسقط قنوات اتصالاتها مفتوحة مع جارتها الكبرى رغم الامتعاض والمعارضة الخليجية، وقدمت لها العديد من الخدمات التي كانت في أمسّ الحاجة إليها بسبب العزلة والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وسعت مسقط لنزع فتيل التوتر في المنطقة عبر لعب دور الوسيط بين طهران ودول المنطقة من جهة، وبين طهران والغرب من جهة أخرى، حتى تُوجت هذه الجهود بالتوصل لاتفاق تاريخي بين إيران من جهة والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا من جهة أخرى، فيما يتعلق ببرنامجها النووي في نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

حيث جاءت هذه الزيارة في إطار تعبير طهران عن امتنانها لدور الوساطة العُمانية في التوصل للاتفاق الأخير بينها وبين دول 5+1، والذي خفّف من وطأة العزلة والعقوبات الاقتصادية الخانقة التي كانت ترزح إيران تحت وطأتها منذ سنوات، وفتح الباب واسعًا أمام إمكانية الوصول إلى حل نهائي لأزمة الملف النووي الإيراني، بما تمثله هذه الإمكانية من أهمية لمستقبل السلم والاستقرار السياسي في المنطقة، ولمستقبل إيران الاقتصادي وفرصها في هذا الجانب.

تخلص الباحثة إلى زيارة روحاني لمسقط أتت كخطوة منطقية في سبيل ترسيخ العلاقات الثنائية بين البلدين والتأسيس لمزيد من التعاون المستقبلي، على الصعيدين السياسي والاقتصادي؛ فالواضح أن الطرفين يعتزمان المضي بعلاقتهما إلى آفاق تعاون أوسع مبنية على أسس من المصالح المشتركة عوضًا عن الاعتبارات الأيديولوجية، وبغضّ النظر عن ما قد تثيره هذه العلاقة من امتعاض في الأوساط الخليجية المتحفظة على أي تقارب مع طهران. عليه، فإنه يتوقع أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من التنسيق والتعاون المشترك بين مسقط وطهران.

مقدمة

شهد مارس/آذار 2014 زيارة مهمة قام بها الرئيس الإيراني حسن روحاني لسلطنة عُمان في 12 مارس/آذار استمرت ليومين، التقى خلالها بالسلطان قابوس بن سعيد وعدد من المسؤولين ورجال الأعمال العُمانيين، وطُرح خلالها العديد من المواضيع الاقتصادية والسياسية على طاولة النقاش.

وبالنظر إلى طبيعة العلاقات العُمانية-الإيرانية وتميزها، لم تكن هذه الزيارة مفاجئة أو مستغربة؛ فالبلدان يتمتعان بعلاقات وطيدة تمتد إلى حقبة الشاه، واستمرت حتى بعد الثورة الإيرانية، حين تأزمت علاقات إيران بمكونات المجتمع الدولي بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والدول العربية؛ حيث أبقت مسقط على قنوات الاتصال مفتوحة مع جارتها الكبرى في جميع الظروف رغم الامتعاض والمعارضة الخليجية، وقدمت لها العديد من الخدمات التي كانت في أمسّ الحاجة إليها بسبب العزلة والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وسعت مسقط لنزع فتيل التوتر في المنطقة عبر لعب دور الوسيط بين طهران ودول المنطقة من جهة، وبين طهران والغرب من جهة أخرى، حتى توجت هذه الجهود بالتوصل لاتفاق تاريخي بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، فيما يتعلق ببرنامجها النووي في نوفمبر/تشرين الثاني 2013. لقد التزمت إيران من خلال هذا الاتفاق بتجميد بعض أنشطتها النووية لمدة ستة أشهر مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها والتعهد بعدم فرض عقوبات جديدة؛ الأمر الذي أبعد، ولو مؤقتًا، شبح حرب إقليمية كانت تبدو وشيكة.

دلالات الزيارة

على خلفية هذه العلاقات المتميزة بين البلدين، تأتي هذه الزيارة كخطوة متوقعة، رمزيا وبراغماتيًا. فمن الناحية الرمزية، تمثل هذه الزيارة تأكيدًا على عمق العلاقات العُمانية-الإيرانية وخصوصيتها، لاسيما أنها الزيارة الأولى التي يقوم بها الرئيس الإيراني حسن روحاني لدولة عربية منذ توليه الرئاسة، كما كان السلطان قابوس هو الرئيس العربي الأول الذي يزور طهران بعد انتخاب روحاني العام الماضي. وفي هذا ما يدل على أن مسقط هي العاصمة الأقرب عربيًا، وربما إقليميًا، لطهران في الوقت الراهن، وأن الطرفين حريصان، بذات القدر، على الحفاظ على هذه العلاقات وتعزيزها.

كما تعبّر هذه الزيارة عن امتنان طهران لدور الوساطة العُمانية في التوصل للاتفاق الأخير بينها وبين دول 5+1، والذي خفّف من وطأة العزلة والعقوبات الاقتصادية الخانقة التي كانت ترزح إيران تحت وطأتها منذ سنوات، وفتح الباب واسعًا أمام إمكانية الوصول إلى حل نهائي لأزمة الملف النووي الإيراني، بما تمثله هذه الإمكانية من أهمية لمستقبل السلم والاستقرار السياسي في المنطقة، ولمستقبل إيران الاقتصادي وفرصها في هذا الجانب. وقد أكد يوسف بن علوي، الوزير العُماني المسؤول عن الشؤون الخارجية، دور الدبلوماسية العُمانية في التوصل لهذا الاتفاق بقوله: “نعم، للسلطنة دور في عملية التقارب الغربي-الإيراني، كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، وهذا الدور بدأ منذ أيام الرئيس الأميركي بيل كلينتون ثم استمر مع بقية الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض وصولاً إلى الرئيس (باراك) أوباما، وكان هدفنا من ذلك ألا تقع مواجهة كبرى بين إيران والدول الغربية لأنها ستكون كارثية على المنطقة، وقد تواصل الدور مع الغربيين والإيرانيين على مر السنوات الأخيرة” (1).

ومن أجل تحقيق هذه الدلالات الرمزية للزيارة، كان لابد أن يترأسها روحاني في إطار زيارة رسمية هي الأولى له من نوعها منذ توليه سدة الحكم في إيران.

مصالح سياسية مشتركة

إلا أن للزيارة أغراضًا أهم بكثير، تجعلها ضرورة لابد منها، في أكثر من سياق؛ فمن الناحية السياسية، لا تزال المفاوضات بين طهران والدول الغربية مستمرة من أجل الوصول إلى حل نهائي للملف النووي الإيراني، وبالتالي فإن الدور العُماني لا يزال مطلوبًا ومهمًا، والتنسيق بين مسقط وطهران ضروري في هذا الجانب وعلى أعلى المستويات. وخير دليل على ذلك زيارات المفوضة الأوروبية للعلاقات الخارجية كاثرين آشتون المتكررة لمسقط بالتزامن مع زيارتها لطهران (2).

وقد أشارت بعض المصادر إلى أن الرئيس روحاني يرغب من مسقط التدخل من أجل رفع الحظر المفروض على البنك المركزي الإيراني وصادرات النفط الإيرانية مقابل التعاون في الملف النووي وغيره من الملفات الاقليمية الشائكة، كما أنه يحمل شكوكًا وتحفظات على سير المفاوضات، ويرغب في إيصال رسالة إلى الأطراف الأخرى بأن عليها أن لا تضيع فرصة الوصول إلى تسوية مع إيران (3).

فعلى الرغم من استمرار المفاوضات وتعهد الجميع بالمضي قدمًا فيها، إلا أن العلاقات الإيرانية-الغربية المتوترة منذ عقود والشكوك العميقة التي يحملها كل طرف في نوايا الآخر، لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها. لذا نجد أن المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، قد عبّر عن شكوكه في جدوى المفاوضات مع القوى الغربية في فبراير/شباط 2014 وأشار إلى أنه لا يعارض استمرارها إلا أنه لا يعتقد أنها ستُفضي إلى شيء (4)، وهو بكل تأكيد يعبّر عن قطاع واسع من الرأي العام الإيراني. ومن جهة أخرى، عبّرت طهران عن امتعاضها من لقاء آشتون، بعدد من المعارضين والنشطاء الإيرانيين، معتبرة الأمر تدخلاً مرفوضًا من قبل الغرب في الشأن الداخلي الإيراني (5). في الوقت ذاته، يتحفظ الغرب على سجل إيران فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحريات السياسية، وعلى تدخلاتها في سوريا والعراق (6).

وعليه، ما دامت هذه الشكوك والتحفظات موجودة، ستبقى الوساطة العُمانية مطلوبة وضرورية لضمان استمرار المفاوضات الإيرانية-الغربية، وسيبقى التنسيق المشترك بين طهران ومسقط مستمرا سواء عبر الزيارات الرسمية أو اللقاءات السرية.

من ناحية أخرى، عبّر روحاني منذ توليه الرئاسة عن رغبته في تحسين علاقات إيران بجيرانها، وهو يدرك تمامًا أن مسقط هي بوابة مروره نحو العواصم الخليجية الأخرى، وأن أفضل فرصه في تحقيق هذه الغاية يعتمد على الوساطة العُمانية. لذا يرى بعض المراقبين أن زيارة روحاني قد تكون طلبًا لوساطة عُمانية تنهي توتر العلاقات بين طهران والسعودية، التي تصل إلى حد الحرب الباردة، تغذيها صدامات البلدين غير المباشرة في سوريا ولبنان والبحرين (7). في هذا السياق، أكد روحاني في تصريحات له قبيل زيارته الأخيرة لمسقط أن “لهذه الزيارة أهمية كبيرة في التقريب بين إيران والدول الإسلامية، لاسيما مع الدول الجارة”، وأن دول جنوب الخليج لها أهمية كبيرة بسبب مضيق هرمز الذي يمر من خلاله 40? من النفط الخام العالمي (8). وهذا ما يمكن قراءته أيضًا في تصريحات يوسف بن علوي حول الزيارة حين قال: إن عُمان تسعى للعمل البنّاء والتعاون مع “كل جيران السلطنة بما يخدم شعوب هذه الدول ويوثق من العلاقات بينها ويربطها بالمصالح المشتركة التي تعود بالنفع على الجميع”، وأن عُمان تسعى “إلى تكريس هذا التعاون لخدمة وتقارب الجميع في المنطقة”، وأنها تؤمن “أن ما بين أبناء هذه الدول الكثير من المصالح المشتركة التي يجب أن تتضاعف في المرحلة المقبلة” (9).

وفي جميع الأحوال، فإن الوساطة العُمانية للتقريب بين إيران والعواصم الخليجية ليست بالأمر الجديد؛ حيث سعت عُمان للتقريب بين جيرانها في أكثر من مناسبة؛ ففي عام 1976 دعا السلطان قابوس إلى عقد محادثات بين الدول الثماني المطلّة على الخليج العربي، وهي: إيران والعراق بالإضافة إلى دول الخليج الست، إلا ?ان المحادثات لم تنجح في التوصل إلى تفاهم ورؤية مشتركة لمستقبل العلاقات بين الأطراف المختلفة. وبعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حاولت مسقط كذلك إعادة العلاقات بين طهران والعواصم الخليجية، إلا أن سوء الفهم وانعدام الثقة بين الجيران، جعل من مهمة عٌمان شديدة الصعوبة (10).

إلا أن الانفراجة الأخيرة في العلاقات بين الغرب وإيران فيما يبدو، دفعت بعض الدول الخليجية لمراجعة موقفها من إيران؛ حيث قام عبدالله بن زايد، وزير الخارجية الإماراتي بزيارة طهران في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، ثم تبعه خالد العطية وزير الخارجية القطري في فبراير/شباط 2014، وذلك بعد زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لعدد من العواصم الخليجية في أعقاب الاتفاق مع الدول الغربية حول البرنامج النووي الإيراني.

وكانت دول الخليج قد رحبت بالاتفاق بين إيران ودول 5+1، في بيان صدر في ختام اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الذي عُقد في الكويت في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وعبّرت عن أملها في أن تمثل الانتخابات الإيرانية الأخيرة “مرحلة جديدة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، مبنية على عدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها” (11). كما أعرب ظريف عن رغبته في زيارة الرياض مؤكدًا أن السعودية بلد مهم وذو نفوذ في المنطقة، إلا أن هذه الزيارة لم تتحقق حتى الآن؛ إذ لا يبدو أن السعودية ترحب بهذه الخطوة في الوقت الحاضر (12). وفي هذا السياق، يمكن لمسقط أن تلعب دورًا فاعلاً في إقناع الرياض بفتح قناة رسمية للتواصل المباشر مع طهران.

وقد جاءت زيارة روحاني لمسقط في وقت بلغ تأزم العلاقات الخليجية-الخليجية أوجه بسحب كل من الرياض وأبوظبي والمنامة سفرائها من الدوحة احتجاجًا على الدعم القطري للشرعية المنتخبة في مصر والمتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة غير مسبوقة في حدتها، لاسيما أنها تأتي بعد أشهر قليلة من طرح مشروع “الوحدة الكاملة” أو الاتحاد بين دول مجلس التعاون الخليجي؛ وهو المشروع الذي رفضته عُمان جملةً وتفصيلًا، وهددت بالانسحاب من مجلس التعاون الخليجي في حال المضي فيه.

هذا التزامن بين زيارة الرئيس الإيراني لسلطنة عُمان، وتداعي العلاقات الخليجية، يشكّل بلاشك مفارقةً مؤسفة، إلا أنه لا مجال للربط بين الحدثين؛ إذ إن الزيارة الإيرانية واضحة الأهداف، ومفهومة ومتوقعة في سياق العلاقة بين البلدين وما يجمعهما من مصالح مشتركة.

أجندة التعاون الاقتصادي

بالإضافة إلى الأبعاد السياسية، تأتي الزيارة تحقيقًا للمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين؛ فإيران بحاجة ماسّة إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية بعد أن أنهكتها العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات، وتشكّل عُمان في هذا السياق شريكًا تجاريًا مثاليًا بحكم الجغرافيا والموارد الاقتصادية المتبادلة بين الطرفين. لهذا جاء روحاني مصحوبًا بوزراء النفط والطرق والعمل ورئيس البنك المركزي ورئيس منظمة السياحة، ومسبوقًا بتصريحات طموحة من السفير الإيراني في السلطنة، علي أكبر سيبويه، في الجانب الاقتصادي، توقع فيها أن تصل الاستثمارات المشتركة بين البلدين إلى 10 مليارات دولار بنهاية العام 2014 (13).

كما تم الإعلان في وقت سابق عن تأسيس مستشفى إيراني متقدم في السلطنة بكوادر مؤهلة، يوفر خدماته للمواطنين العُمانيين، الذين يسافر عدد كبير منهم سنويًا للاستفادة من الخدمات العلاجية في إيران (14)، وعن توقيع مذكرات تفاهم بين البلدين في مجالات مختلفة؛ ففي مجال النقل الجوي، وقّع الطرفان مذكرة تفاهم لزيادة عدد الرحلات الجوية بين البلدين من 14 إلى 30 رحلة جوية أسبوعيًا، بالإضافة إلى رحلات الشحن الجوي. وقد أعلنت هيئة الطيران المدني العُمانية أن الرحلات الجوية العُمانية ستنطلق نحو وجهات مختلفة في إيران، لم يتم تحديد تفاصيلها بعد (15). كما تم الإعلان عن افتتاح مركز لتعليم اللغة الفارسية في مسقط لتعزيز التعاون الثقافي بين البلدين (16)، وتم خلال الزيارة توقيع اتفاقيات تتعلق بالتشغيل والتدريب المهني.

أما الخطوة الاقتصادية الأكثر أهمية فقد جاءت في مجال الطاقة؛ حيث وقّع الطرفان اتفاقًا مبدئيًا يتعلق بمد أنابيب لتصدير الغاز من جنوب إيران إلى صحار في شمال عُمان؛ حيث من المتوقع أن تصدّر إيران من خلاله 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا إلى عُمان، على أن تتحمل مسقط كلفة إنشاء خط الأنابيب والتي تقدر بحوالي مليار دولار. ويتوقع وزير النفط الإيراني أن يستغرق المشروع 3 سنوات (17).

بالنسبة لعُمان، تمثل هذه الصفقة أهمية كبيرة؛ إذ إنها ستساهم في سد حاجة السوق المحلي المتنامية من الطاقة؛ فالإنتاج المحلي من الغاز لا يفي بالطلب المتزايد، إذ إن الإحصاءات تشير إلى أن الطلب على الغاز قد زاد بنسبة 170? في الفترة بين 2002 و 2011 (18)، كما أن مشروع الغاز الطبيعي المسال يعمل منذ فترة بمستوى أقل من طاقته الاستيعابية، ورغم أن السلطنة قد وقّعت على اتفاقية جديدة مع شركة النفط البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2013 لاستخراج الغاز المحكم من حقل خزان بقدرة إنتاجية تصل إلى بليون متر مكعب يوميًا، إلا أن السوق المحلية لا تزال متعطشة للطاقة، والمشروع في حد ذاته لا يخلو من تحديات تقنية وأخرى متعلقة بالكلفة (19). وبسبب تأرجح العلاقات الخليجية-الخليجية وعدم استقرارها ولأسباب استراتيجية واقتصادية صرفة، تجد عُمان أنه ليس من الحكمة أن تعتمد على دولة قطر كمصدر وحيد لاستيراد الغاز، خصوصًا وأن تسريبات ويكيليكس تشير إلى أن عُمان لجأت إلى توقيع هكذا اتفاق مع إيران تحت ضغط أميركي (20).

إلا أنه وبالرغم من أهمية صفقة الغاز بين عُمان وإيران، لابد من النظر إليها بواقعية، فهي ليست سوى اتفاق مبدئي على الخطوط العريضة، لم يتم بعد تحديد التكلفة النهائية وآلية احتساب السعر والتفاصيل العملية الأخرى للمشروع، وقد سبق لإيران أن وقّعت اتفاقات مشابهة في سنوات سابقة لم تخرج إلى حيز التنفيذ بعد (21). أضف إلى ذلك أن العقوبات الدولية المفروضة على طهران لابد أن تُخفف حتى يصبح المشروع ممكن التحقيق، وهذا أمر مرهون بتقدم المفاوضات بين إيران والدول الغربية حول ملفها النووي وعدم حدوث انتكاسة تعود بالجميع إلى مربع البداية. أي إن المصلحة المشتركة للبلدين تقتضي منهما بذل الجهد لإنجاح المفاوضات والتوصل لحل نهائي للملف الإيراني يضمن للمنطقة استقرارها ويسمح لهما بالمضي قدمًا في تنفيذ مشاريعهما الاقتصادية المشتركة دون عوائق.

خاتمة

في هذا الإطار، تأتي زيارة روحاني لمسقط كخطوة منطقية في سبيل ترسيخ العلاقات الثنائية بين البلدين والتأسيس لمزيد من التعاون في المستقبل، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي؛ فالواضح أن الطرفين يعتزمان المضي بعلاقتهما إلى آفاق تعاون أوسع مبنية على أسس من المصلحة المشتركة عوضًا عن الاعتبارات الأيديولوجية، وبغضّ النظر عن ما قد تثيره هذه العلاقة من امتعاض في الأوساط الخليجية المتحفظة على أي تقارب مع طهران. لذلك، لا ريب أن الأشهر القادمة ستشهد المزيد من التنسيق والتعاون المشترك، سواء أُعلن عنه، أم بقي بعيدًا عن الأضواء.
________________________________
بسمة مبارك سعيد – حقوقية وباحثة عُمانية

الهوامش
1- حوار مع يوسف بن علوي نشرته صحيفة عمان في عددها الصادر بتاريخ 12 مارس/آذار 2014.
2- المصدر السابق.
3- صدقيان، محمد صالح (11 مارس/آذار 2014) روحاني يزور سلطنة عمان غدًا حاملاً رسالة انفتاح إلى دول الخليج.
استُرجعت في 30 مارس/آذار 2014 من http://alhayat.com/Articles/1023466/ روحاني-يزور-سلطنة-عُمان-غدًا-حاملاً-رسالة-انفتاح-إلى-دول-الخليج
4- برنامج إيران النووي: خامنئي يعبّر عن عدم تفاؤله إزاء المفاوضات مع القوى الغربية. (17 فبراير/شباط 2014)، استُرجعت في 29 مارس/آذار 2014 من
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/02/140217_iran_khamenei_nuclear_talks.shtml
5- محمد صالح صدقيان، مصدر سابق.
6- كير، سيمون و بوزورجميهر، نجمة. (13 مارس/آذار 2014) روحاني إيران يبرم صفقة للغاز أثناء زيارته لعمان. استرجعت في 26 مارس/آذار 2014 من
http://www.ft.com/intl/cms/s/0/8bdf1daa-aaba-11e3-be01-00144feab7de.html#axzz2xcanmdFj
7- المصدر السابق.
8- روحاني في عمان لبحث ملفات سياسية واقتصادية. (12 مارس/آذار 2014) استرجعت في 29 مارس/آذار 2014 من
http://www.aljazeera.net/news/pages/15df680b-0dc9-4580-ad0c-405bf0a1d96f
9- حوار مع يوسف بن علوي نشرته صحيفة عمان في عددها الصادر بتاريخ 12 مارس/آذار 2014.
10- مكتبة الكونجرس، دراسات الدول: عمان. استرجعت في 28 مارس/آذار 2012 من
http://lcweb2.loc.gov/cgi-bin/query/r?frd/cstdy:@field(DOCID+om0094)
11- صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4100- الخميس 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2013.
12- سيمون كير ونجمة بوزورجميهر، مصدر سابق.
13- صحيفة تايمز أوف عمان، في عددها الصادر بتاريخ 11 مارس/آذار 2014.
14- سيمون كير ونجمة بوزورجميهر، مصدر سابق.
15- الملحق الاقتصادي لجريدة عمان، في عددها الصادر بتاريخ 12 مارس/آذار 2014.
16- جريدة الشبيبة، في عددها الصادر بتاريخ 10 فبراير/شباط 2014.
17- سيمون كير ونجمة بوزورجميهر، مصدر سابق.
18- شركة النفط البريطانية توقّع اتفاقًا محكمًا لتطوير حقل غاز ضخم في عمان. (24 ديسمبر2013/كانون الأول) استرجعت في 29 مارس/آذار 2014 من
http://www.trefis.com/stock/bp/articles/219521/bp-signs-a-tight-agreement-to-develop-a-huge-omani-gas-field/2013-12-24
19- ميلز، روبن. (23 مارس/آذار 2014) فوائد التنوع في محادثات الغاز بين عمان وإيران. استرجعت في 31 مارس/آذار 2014 من
http://www.thenational.ae/business/industry-insights/energy/virtues-of-diversity-in-oman-gas-talks-with-iran
20- عمان توقع مذكرة تفاهم لاستيراد الغاز الإيراني. (27 أغسطس/آب 2013) استرجعت في 29 مارس/آذار 2014 من
http://uk.reuters.com/article/2013/08/27/uk-iran-oman-idUKBRE97Q0EE20130827
21- روبن ميلز، مصدر سابق.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *